الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

237

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والبحيرة - بفتح الباء الموحّدة وكسر الحاء المهملة - فعيلة بمعنى مفعولة ، أي مبحورة ، والبحر الشقّ . يقال : بحر شقّ . وفي حديث حفر زمزم أنّ عبد المطلب بحرها بحرا ، أي شقّها ووسّعها . فالبحيرة هي الناقة ، كانوا يشقّون أذنها بنصفين طولا علامة على تخليتها ، أي أنّها لا تركب ولا تنحر ولا تمنع عن ماء ولا عن مرعى ولا يجزرونها ويكون لبنها لطواغيتهم ، أي أصنامهم ، ولا يشرب لبنها إلّا ضيف ، والظاهر أنّه يشربه إذا كانت ضيافة لزيارة الصنم أو إضافة سادنه ، فكلّ حيّ من أحياء العرب تكون بحائرهم لصنمهم . وقد كانت للقبائل أصنام تدين كلّ قبيلة لصنم أو أكثر . وإنّما يجعلونها بحيرة إذا نتجت « 1 » عشرة أبطن على قول أكثر أهل اللغة . وقيل : إذا نتجت خمسة أبطن وكان الخامس ذكرا . وإذا ماتت حتف أنفها حلّ أكل لحمها للرجال وحرم على النساء . والسائبة : البعير أو الناقة يجعل نذرا عن شفاء من مرض أو قدوم من سفر ، فيقول : أجعله للّه سائبة . فالتاء فيه للمبالغة في الوصف كتاء نسّابة ، ولذلك يقال : عبد سائبة ، وهو اسم فاعل بمعنى الانطلاق والإهمال ، وقيل : فاعل بمعنى مفعول ، أي مسيّب . وحكم السائبة كالبحيرة في تحريم الانتفاع ، فيكون ذلك كالعتق وكانوا يدفعونها إلى السدنة ليطعموا من ألبانها أبناء السبيل . وكانت علامتها أن تقطع قطعة من جلدة فقار الظهر ، فيقال لها : صريم وجمعه صرم ، وإذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلّهنّ إناث متتابعة سيّبوها أيضا فهي سائبة ، وما تلده السائبة يكون بحيرة في قول بعضهم . والظاهر أنّه يكون مثلها سائبة . والوصيلة من الغنم هي الشاة تلد أنثى بعد أنثى ، فتسمّى الأمّ وصيلة لأنّها وصلت أنثى بأنثى ، كذا فسّرها مالك في رواية ابن وهب عنه ، فعلى هذه الرواية تكون الوصيلة هي المتقرّب بها ، ويكون تسليط نفي الجعل عليها ظاهرا . وقال الجمهور : الوصيلة أن تلد الشاة خمسة أبطن أو سبعة ( على اختلاف مصطلح القبائل ) فالأخير إذا كان ذكرا ذبحوه لبيوت الطواغيت وإن كانت أنثى استحيوها ، أي للطواغيت ، وإن أتأمت استحيوهما جميعا وقالوا : وصلت الأنثى أخاها فمنعته من الذبح ، فعلى هذا التأويل فالوصيلة حالة من حالات نسل الغنم ، وهي التي أبطلها اللّه تعالى ، ولم يتعرّضوا لبقية أحوال الشاة . والأظهر أنّ الوصيلة اسم للشاة التي وصلت سبعة أبطن إناثا ، جمعا بين تفسير مالك

--> ( 1 ) نتجت مبني للمفعول وهو يتعدى إلى مفعولين ؛ فأولهما جعل نائب فاعل وثانيهما هو المنصوب .